ابن حبان

9

روضة العقلاء

والتحقيق في القراءة : يكون للرياضة والتعليم والتمرين . وأمّا الترتيل : فإنه للتدبّر والفكر والاستنباط ، فكل تحقيق ترتيل ولا عكس . والضّبط : في اللغة : عبارة عن الحزم ، فيقال : ملك ضابط لمملكته ، أي : حازم ومحافظ عليها ، وفي الاصطلاح : سماع الكلام كما يحق سماعه ، ثم فهم معناه الذي أريد به ، ثم حفظه ببذل مجهوده والثبات عليه بمذاكرته إلى حين أدائه وكمال الوقوف على معانيه الشرعية . وإذا ما عدنا إلى الأصل فنقول : حقّ الشيء : وجب وثبت ، وحقّقت الشيء : أثبتّه ، ومعنى قوله تعالى : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ يس : 7 ] ، ثبت الحكم وسبق العلم . وتحقّقته : تيقّنته وجعلته ثابتا لازما . وكلام محقّق : رصين . وثوب محقّق : محكم النسج . والتحقيق كما قال الأستاذ مطاع الطرابيشي : هو العلم بالشيء ومعرفة حقيقته على وجه اليقين ، ومن هنا أشفق نفر من أفاضل المشتغلين بنشر التراث من التعبير بهذا اللفظ عن أعمالهم في نقد النصوص ونشرها ، فأشار بعضهم بكلمة : « صحّحه » . . وآثر آخرون : « قرأه » أو « عارضه بأصوله » أو « اعتنى به » أو « ضبطه » أو « أشرف على طبعه » من أمثال هذه العبارات التي تتّصف بروح العلم والاقتصاد في الدعوى . على أن لفظ « التحقيق » قد شاع استعماله اليوم حتّى غدا مصطلحا لعمل العاملين في هذا المجال من غير التزام لمدلوله الأصلي في كثير من الأحيان . ويحلو لي هنا أن ألقي بعض الضوء على موضوع المفاضلة بين التحقيق والتأليف ، لأنّ ذلك مما يثير تساؤل كثير من الناس ، وربّما كان سبب عزوف علمائنا الكبار عن الخوض في هذا المضمار ، وممن يحدثنا عن ذلك الدكتور محمد التونجي في المخطوطات بين يدي التحقيق ، قال : الحقّ أن التحقيق جهد علميّ مشكور إذا قصد صاحبه خدمة العلم والإخلاص له ، وقد يتطلّب التحقيق وقتا أطول من التأليف ، كما أن خدمة الكتاب القديم وإلباسه اللبوس العلمي الجديد أمر لا يقلّ بحال عن التأليف ، وما زالت أنظار